القاضي عبد الجبار الهمذاني

174

المغني في أبواب التوحيد والعدل

قيل له : قد بينا أن ما هو عادة للملائكة قد يكون نقضا للعادة فينا ، وقد صح أيضا أن نقل الملائكة الشيء إلى واحد دون آخر ، من باب نقض العادة ، فيعلم المفكر أن ذلك يتضمن نقض العادة ، من الوجهين ، فلا يقدح ذلك في دلالته على النبوّة ؛ ولو كان ذلك يقدح في دلالة النبوّة لوجب لو ادّعى النبوّة ، وجعل الدلالة على نبوّته طلوع الشمس من مغربها ، بل حركة الأفلاك على خلاف عادتها ، وحصل ذلك أن لا يمكن الاستدلال به على النبوّة ، لتجويز المفكر أن ذلك من فعل بعض الملائكة ، لأن العقل كما دل على أن مثل القرآن قد يقدر عليه الملك ، فكذلك قد دل على أن ما ذكرناه ، في الشمس والفلك ، قد يجوز أن يقدر عليه الملك ، فإذا كان ذلك لا يقدح في دلالتها على النبوّة ، من الوجه الّذي ذكرناه ، فكذلك في القرآن ؛ فقد بطل ما سأل عنه . . فإن قال : إن عادة الملائكة عند المكلف لم تجر في الفلك والشمس ، بما ذكرتموه ، فيجب أن يدل على النبوّة ، وليس كذلك حال القرآن ، لأنه قد يجوز أن يكون مثله ، فيما يختص به من الفصاحة معتادا عندهم ؟ قيل له : قد بينا : أن ما هو عادة عندهم قد يكون نقضا لعادتنا ، فلا فرق بين الأمرين ، من هذا الوجه ؛ وإذا جوّزت ، من حيث لم يثبت أنه لا يعصون قبل السمع ، أن يتعمدوا نقل القرآن استفسادا ، فجوّز مثل ذلك في الشمس والفلك : أن يفعلوه استفسادا ، ومتى قلت : إني لا أعتبر ذلك ، وإنما أراعى انتقاض العادة عند ادّعائه النبوّة ؛ فكذلك القول في القرآن . فإن قال : إنا نقول فيما ذكرتموه في الشمس والفلك إنه يدل على النبوّة ، لأن الملك لو أراد أن يفعله على طريق الاستفساد لكان تعالى يمنع منه .